العرب وإيران: قرون من الثقة المفقودة... وعقود من محاولات الزعزعة

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

Table of Contents:

  • العرب وإيران: قرون من الثقة المفقودة... وعقود من محاولات الزعزعة
  • Page 2
دوائر دبلوماسية تتوقع تصعيدا في التوتر دون حد الصدام

 دبي: تتوقع دوائر دبلوماسية تصعيدا لن يخلو من التوتر في العلاقة بين الدول العربية وإيران على خلفية تفاقم مخاطر نفوذها في البلاد العربية، وتدخلها غير الحميد في شؤون أقلياته. وثمة مؤشرات على أن منتديات سياسية عربية خلصت -على صعيد ثنائي ومتعدد الأطراف- إلى أن الوقت حان لإجراءات "وقائية" عربية تتسم بالقوة لصد محاولات التغلغل الإيراني، نقلا عن تقرير نشرته صحيفة "الحياة" اللندنية الأربعاء 28-1-2009. ويبدو واضحا أن قراءة أقطاب تلك المنتديات للأحداث الأخيرة في غزة، وربطها بالحرب الإسرائيلية على لبنان، والتأثير الملموس للنفوذ الإيراني في سياسات المصلحة العربية العليا، من خلال مواقف ما أضحى يعرف بدول "الممانعة"، تتجه إلى التعجيل بإجراءات "ملموسة" في وجه التغلغل الذي أضحى مهددا حقيقيا ووشيكا للأمن الإقليمي والعربي. وطبقا للمعلومات المتوافرة، فإن الضيق العربي من تمدد النفوذ الإيراني في البلدان العربية لا يُعزى إلى تحفظات مذهبية أو طائفية، وإن كان المراقبون الذين حضروا طرفا من المناقشات المشار إليها يسلمون بأن مضي إيران في توسيع رقعة نفوذها لا بد أن يقود -في نهاية المطاف- إلى تقاطعات تصطدم بالتحفظ المذهبي، مما يزيد حتمية الصدام.

وترى صحيفة "نيويورك تايمز" أن أخطر عقبة تصطدم بها مساعي نشر الثقافة الإيرانية تتمثل في صعوبة "تسويقها" لدى مسلمي الأقطار العربية الذين تنتمي غالبيتهم إلى المذهب السني؛ إذ تباعد بين الفرس والعرب قرون من عدم الثقة، كما تفصل هوة سحيقة بين ثقافتي الأمتين. والأكثر أهمية أن مستوى عدم الثقة عالٍ جدا لدى زعماء البلدان العربية تجاه النظام الإيراني، إذ إن غالبية هؤلاء عاصروا الثورة الإسلامية الإيرانية التي بادرت فور تمكنها إلى تطبيق سياسة تصدير الثورة، وما تبع ذلك من محاولات لزعزعة الاستقرار في عدد من الدول العربية. وفيما تُوالي طهران انتهاج سياسة خارجية تقوم على المواجهة لتحقيق الهدف من برنامجها النووي، بدعوى أن القنبلة الإيرانية "الإسلامية" ستتيح توازنا استراتيجيا للقوة في الشرق الأوسط؛ يبدي قادة الدول العربية والخليجية ضيقا إزاء احتمالات امتلاك إيران سلاحا نوويا، فهم يرون أنه سيهدد استقرار الخليج وأمن العالم العربي.

وتأتي مساعي الهيمنة "الإقليمية" من جانب إيران، في وقت خلص فيه مخططوها الاستراتيجيون إلى أن المرحلة مناسبة لبسط النفوذ الإيراني على الشرق الأوسط بأسره، فالعالم العربي يمر بأضعف حالاته، تمزقا وتفككا وترديا في العلاقات العربية-العربية، وما لم تتمكن "الجمهورية الإسلامية" من تحقيقه بعصا التحالفات والتسليح وتوحيد الرؤى الاستراتيجية (سوريا، حماس، حزب الله)، تسعى إلى بلوغه من خلال سياسات "الهيمنة الناعمة"، عبر توسيع خدمات المراكز الثقافية والدينية التابعة لسفاراتها في العواصم العربية (السودان، لبنان، مصر).

وإذا تقاطعت مواقف دولة عربية مع المخططات الإيرانية، فإن طهران مستعدة للتسلح بسياسة "النَّفَس الطويل" لتنفيذ دبلوماسية ناجعة تُبقي معدلات توتر مرتفعة في العلاقات الثنائية، لكنها لا تسمح ببلوغ حد الصدام والحرب. تلك هي تماما حال العلاقات الإيرانية مع مصر، وإلى حد ما السعودية. والثابت أن إيران حاولت الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، وشاركت أطرافا في تهيئة ظروف تهيئ لإيران الحصول على مبتغاها. غير أن زعماء دول المجلس وقفوا بصلابة ضد أي "هيمنة" يمكن أن تتخذ واجهات عدة. لم تظفر الجمهورية الإسلامية بما تريد، لكن نجاحها في استمالة بعض الأطراف خلّف صدوعا لا تخْفَى في جدران التحالف الخليجي.

النظام العالمي وأهداف إيران

ويرى سياسيون عرب أن ما يثير قلق الحكومات العربية ليس مساعي الهيمنة السياسية والعسكرية الإيرانية، فطهران تدرك أنه حتى لو كانت الأنظمة العربية ضعيفة وعاجزة ومتشرذمة، فإن طبيعة النظام العالمي ليست في مصلحة الأهداف الإيرانية، فقد خسرت حربها على العراق في عهد صدام حسين، ولم تربح العراق بأكمله بعد سقوط صدام حسين، ولم تنجح حرباها بالوكالة في جنوب لبنان (2006) وغزة (2009) على حد ما جاء في التقرير، غير أن ما يثير قلقهم هو "الجسارة" الإيرانية في فرض الهيمنة بأساليب "ناعمة"، تكتفي بترسيخ التأثير الثقافي والمذهبي والمادي. وقد وصفت بـ"الجسارة" لأن إيران ماضية فيها بروح من يسابق الزمن لتحقيق أهدافه القصوى.

وتشمل أساليب "الهيمنة الناعمة" في الدول العربية: زرع خلايا مذهبية نائمة وفاعلة في البلدان العربية، وفتح المراكز الثقافية والمعاهد التعليمية الدينية، وإنشاء المكتبات والمدارس، وتشجيع قيام جمعيات الصداقة الإيرانية-العربية، واستخدام القدرات الاقتصادية والتجارية للتغلغل في النشاط الاستثماري.

وما يثير قلق الساسة العرب اتجاه إيران إلى دعم الحركات الإسلامية السياسية في بلدانهم؛ إذ إن طهران كانت تقف وراء الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة في الجزائر، كما أن تعاونها مع الجبهة الإسلامية القومية في السودان أثار اتهامات كثيرة وجهت إلى الخرطوم في مطلع تسعينيات القرن الـ20، وبلغت الاتهامات طور الزعم بوجود مقاتلين إيرانيين في صفوف القوات الحكومية التي قاتلت المتمردين في الجنوب. ولفت عضو المجلس الوطني (البرلمان) الجزائري عبد الرحمن سعيدي إلى أن إيران تعمل على تنفيذ مشروع "حزب الله المغاربي" الذي يستهدف تونس والمغرب والجزائر. وتتردد معلومات عن حملة إيرانية في نيجيريا تتخذ طابعا مذهبيا.

دول الخليج الأكثر استهدافا

ويقول تقرير صحيفة "الحياة" اللندنية إن إيران -من خلال تحالفها مع "دول الممانعة"- تحرّض على منازلة أمريكا وإسرائيل في كل مكان، ولكن ليس على أرض إيران. وفي حالتي لبنان وغزة، تتجرع الشعوب العربية مزيدا من المرارات والانكسارات والإبادات التي يسارع إعلام "محور طهران" إلى وصفها بالانتصارات.

في ظل ذلك "التماهي" مع الاستراتيجيات الإيرانية، تعمق الشقاق بين الدول العربية، وأظهرت دول "المحور" اتجاها ثابتا لإلقاء التبعة على بلدان عربية محددة. واقتداء بسياسة "تلازم المسارات" التي التزمها الحليف السوري لإيران، واصلت الأخيرة تلازم مسارات الاستهداف، بتصعيد خطير ضد مصر. ولم تكتف طهران باستخدام حركة حماس الفلسطينية؛ بل جرّت معها دولتي "الممانعة" إلى الحملة على مصر.

العربية
No votes yet